17 May 2010 - 12:20
رمز الخبر: 2231
پ
فی ذکرى شهادة السیدة الزّهراء(ع)
رسا/آفاق- بمناسبة شهادة الصدیقة الزهراء(ع)، کانت الکلمة الجامعة..والموقف الذی یجعل من دموع التفجّع على حبیبة رسول الله(ص) ثورةً رسالیّةً فی مواجهة کلّ باطلٍ وانحراف..وکانت الکلمة/الموقف فی خطبة الجمعة من على منبر الإمامین الحسنین(ع)..کلمة آیة الله محمد حسین فضل الله، التی ألقاها نیابة عنه نجله سماحة السید علی فضل الله.
الموقف الرسالی فی مواجهة الانحراف



قال الله تعالى فی کتابه المجید: {إِنَّمَا یُرِیدُ اللَّهُ لِیُذْهِبَ عَنکُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَیْتِ وَیُطَهِّرَکُمْ تَطْهِیراً}-الأحزاب:33

النشأة فی بیت النبوة

من أهل هذا البیت النبویّ الطّاهر، الصدّیقة، الشّهیدة الشّاهدة، المبارکة الطّاهرة، الزکیّة الرضیّة، سیّدة نساء أهل الجنّة، سیّدة نساء العالمین، المعصومة السیّدة فاطمة الزّهراء(ع)، الّتی نلتقی بذکرى وفاتها فی الثّالث من جمادى الثّانیة، على بعض الرّوایات. ونحن عندما نقف مع هذه الذّکرى، فلکی نستفید من الدّور الرّسالی الّتی حرصت(ع) على تأکیده فی کلّ مراحل حیاتها.
منذ أن درجت فاطمة(ع) فی بیت أبیها رسول الله(ص) وأمّها، کانت تتنفّس عبق الرّسالة، حیث نشأت فی حضن أمِّها خدیجة الّتی أخلصت لرسالة زوجها رسول الله(ص)، وبذلت کلّ ما عندها من مال وموقع من أجل مساعدته على أداء دوره...
وفی هذا البیت، رأت الزّهراء أباها وهو یقف مواجهاً، بإیمان وصلابة، طغیان قریش وجبروتها، غیر مبالٍ بإغراءاتها، معلناً رسالته، بعد أن جاءه نداء الوحی: {یَا أَیُّهَا الْمُدَّثِّرُ* قُمْ فَأَنذِرْ* وَرَبَّکَ فَکَبِّرْ*وَثِیَابَکَ فَطَهِّرْ* وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ* وَلا تَمْنُن تَسْتَکْثِرُ* وَلِرَبِّکَ فَاصْبِرْ}[المدّثّر: 1ـ7]، حیث قال(ص) لخدیجة حینها: "قد انقضى یا خدیجة عهد النّوم والرّاحة، وجاء عهد الکفاح والعناء".

أمّ أبیها

وعلى هذا، عاشت الزَّهراء مع أبیها، تخفِّف عنه ألم المعاناة، وخصوصاً بعد رحیل أمِّها الّتی کانت سنداً قویّاً لرسول الله(ص)، وتشدّ بقلبها الصَّغیر وحنانها وعطفها، عضد رسول الله(ص)، وکانت تتلوّى من الألم لما یلقى والدها من فادح الأذى، وکان أیسر ما لحقه من أذى، عندما مرّ علیه أحد سفهاء قریش، فاغترف بکلتا یدیه من التّراب والأوساخ ووضعها على رأسه، فدخل رسول الله(ص) بیته والتّراب على رأسه، فقامت إلیه فاطمة، وجعلت تبعد التّراب عن رأسه وتبکی، فالتفت إلیها وعیناها تنهمران بالدّموع، لیطمأنها ان الله ناصرها على أعداء دینه ورسالته.
وهکذا، عندما رأته یوماً ساجداً أمام الکعبة، وحوله مشرکو قریش یستهزئون به، ویلقون الأوساخ على ظهره وهو ساجد، فأقبلت إلیه مسرعةً باکیةً، فأخذتها عن ظهره وألقتها جانباً، وهی تضمّه إلى صدرها .
وبقیت تعیش هذا الحبّ الدّافق لرسول الله(ص) طوال حیاتها، وقد برز بشکله الأجمل، عندما اعتنقته فی حال الاحتضار حیث بکت، ثم اعتنقته ثانیةً فضحکت، فسئلت بعد وفاة رسول الله(ص): لِمَ ذلک؟ فقالت: "إنّه أخبرنی أنّه یموت فبکت، ثمّ أخبرنی أنّی أوّلُ أهله لحوقاً به فضحکت".
وقد وصل هذا الحبّ الدّافق من الزّهراء(ع) إلى قلب رسول الله، حتى قال عنها أجمل کلمةٍ فی الوجود، لیعبّر من خلالها عن الرّعایة والحنان والعاطفة الدّافقة، قال(ص): "إنّها أمّ أبیها".
وقد أبرزت السیّدة عائشة هذا الحبّ من رسول الله للسیّدة الزّهراء(ع)، عندما سُئلت: "أیّ النّاس کان أحبّ إلى رسول الله(ص)؟ قالت فاطمة... ومن الرّجال؟ قالت: زوجها"...
لذا، کان رسول الله إذا دخل علیها، أخذ بیدها فقبَّلها وأجلسها فی مجلسه، کما أنّه(ص) کان إذا رجعَ من غزوٍ أو سفر، أتى المسجد، فصلّى رکعتین شکراً لله، ثم یأتی فاطمة، ثم یأتی أزواجه، وکذلک إذا سافر، کان آخر النّاس عهداً به فاطمة.

الزهراء القدوة

وقد حرصت السیِّدة الزَّهراء على أن تعدَّ نفسها رسالیّاً إلى جانب إعداد الله لها، مستفیدةً من قربها من قلب رسول الله(ص) وأخلاقه وعلمه، لکی تکون أنموذجاً یُحتذى، وقدوةً للرّجال والنّساء، وزوجة وأمّاً رسالیّةً، کما هو مطلوب من کلّ مسلم ومسلمة، وقد وجدت فی رسول الله(ص) تلک الصّورة المشرقة، فکان الأسوة الحسنة لها.
ولذلک، تتحدَّث عنها عائشة زوجة رسول الله(ص)، فتقول: "ما رأیت أحداً أشبه سمتاً وهدیاً ودلاً برسول الله(ص) من فاطمة..."، و"ما رأیت أصدق منها إلاّ أباها".
وقد حرصت الزّهراء على أن تستفید من قربها من مدینة العلم، من رسول الله(ص)، لتأخذ من علمه، وکانت تحرص على هذا العلم، حتى إنّها عندما أضاعت بعض الأوراق الّتی کانت تکتبها عن رسول الله، قالت لخادمتها فضّة: "اطلبیها، فإنّها تعدل عندی حسناً وحسیناً"، وذلک لأهمیّة العلم والرّوایات التی اکتسبتها من رسول الله(ص)..
وقد أظهر رسول الله(ص) الموقع الکبیر الّذی وصلت إلیه الزّهراء فی بناء نفسها، حین قال: "فاطمة بضعة منی ـ أی أنّها جزء منه ـ من سرّها فقد سرّنی، ومن ساءها فقد ساءنی. فاطمة أعزّ البریّة علیّ". وقد ورد عنه(ص) أیضاً قوله: "یا فاطمة، إنّ الله لیغضب لغضبک ویرضى لرضاک".
وبهذا یتّضح أنّ عقلها کان عقلَ رسول الله، وقلبها کان قلب رسول الله، وکانت حیاتُه حیاتَها. ومن خلال ذلک، انطلقت لتحرّک رسالیّتها، فکانت المعلّمة التی تأخذ من علم رسول الله(ص)، لتعلّم نساء المهاجرین والأنصار، والمجاهدة الّتی کانت تخرج فی معارک الإسلام مع رسول الله(ص) لتسقی العطاشى، وتضمّد الجرحى، وتساعد المقاتلین.

نموذج البیت الإسلامیّ

وقد حقّقت الزّهراء رسالتها من خلال سعیها لبناء بیت رسالیّ نموذجیّ، لیکون ارتباطها بمن هو کفؤ لها، الّذی یحمل فکرها وروحیّتها وطموحها الرّسالیّ، لتبنی معه ذلک البیت، فلم یکن هناک إلاّ علیّ(ع)، ولذلک ورد عن الإمام الصّادق(ع): "لولا أنّ الله تبارک وتعالى خلق أمیر المؤمنین لفاطمة، ما کان لها کفؤ على وجه الأرض".
وقد مثّلا(ع) الصّورة الرّسالیّة للزَّواج الإسلامیّ فی العلاقة الزَّوجیّة المبنیَّة على المودّة والرّحمة، وهو ما یظهر ممّا قالته لعلیّ(ع) فی تقریرها عن حیاتها معه: "ما عهدتنی کاذبةً ولا خائنةً ولا خالفتک منذ عرفتک"، فقال لها: "أنتِ أعلم بالله، وأبرُّ وأتقى وأکرم وأشدّ خوفاً من الله من أن أوبّخک بمخالفتی". وکان یقول: "ما أغضبتها ولا أکرهتها على أمر حتّى قبضها الله عزّ وجلّ، ولا أغضبتنی، ولا عصت لی أمراً".
وقد جسَّدت السیِّدة الزَّهراء(ع) رسالیَّتها فی تربیة أولادها، حینَ کانت تربِّیهم على أن یکونوا رسالیّین یحبّون الخیر للآخرین قبل أن یفکّروا فی أنفسهم. وقد ذکر الإمام الحسن(ع) ذلک حین قال: "رأیْتُ أمّی فاطمة قامت فی محرابها لیلة جمعتها، فلم تزل راکعةً ساجدة ًحتى اتّضح عمود الصّبح، وسمعتها تدعو للمؤمنین والمؤمنات، وتسمّیهم، وتکثر الدّعاء لهم، ولا تدعو لنفسها، فقلت لها: یا أمّاه، لم لا تدعین لنفسک کما تدعین لغیرک"؟ فقالت: یا بنیّ، الجار ثم الدّار".
وقد جسّد هذا البیت الطّاهر عملیّاً هذه الرّوح الرّسالیّة الّتی تنبع من الحبّ لله سبحانه، من خلال إیثار الناس على أنفسهم، کعدم تناول الطّعام ثلاثة أیّام، عندما جاءهم المسکین والیتیم والأسیر، وبقوا جیاعاً لحساب هؤلاء، لم یتناولوا إلاّ الماء والملح، حتى نزلت علیهم الآیة، وهی أجمل وسامٍ لهم: {وَیُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْکِیناً وَیَتِیماً وَأَسِیراً* إِنَّمَا نُطْعِمُکُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِیدُ مِنکُمْ جَزَاء وَلا شُکُوراً}[الإنسان: 8 ـ9

الحزن الرسالی

وقد أظهرت السیّدة الزّهراء بکلّ وضوح رسالیّتها عندما توفّی رسول الله(ص)، حیث واجهت الحزن الرّسالیّ الّذی یلتقی مع إیمانها العمیق بقضاء الله وقدره: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِکُمْ}[آل عمران:144]
لذلک، لا بدّ من إعادة النّظر فی ما نسمعه عن السیّدة الزّهراء(ع)، من الّذین یعملون على جعل الزّهراء تستغرق فی الحزن الّذی لا یلتقی مع دورها الرّسالیّ السامی، حین یقولون إنّها کانت تبکی فی اللّیل والنّهار، وکان أهل المدینة یضجرون من بکائها، حتى قالوا لعلیّ(ع): إمّا أن تبکی أباها لیلاً أو نهاراً...
إنّ الزّهراء(ع) أعظم من أن تکون کذلک، ولا سیَّما أنّنا نقرأ فی حدیثٍ للإمامین الباقر والصّادق(ع) فی تفسیر الآیة: {وَلا یَعْصِینَّکَ فِی مَعْرُوفٍ}[الممتحنة:12]، قال: "إنّ رسول الله(ص) قال لفاطمة: إذا أنا متّ، فلا تخمشی علیَّ وجهاً، ولا ترخی علیَّ شَعراً، ولا تنادی بالویل، ولا تقیمی علیَّ نائحةً"، ثم قال الصّادق(ع): "هذا هو المعروف".

فی مواجهة الانحراف

وقد عبَّرت عن رسالیَّتها، عندما واجهت الانحراف الّذی بدأ یواجه الإسلام بعد وفاة رسول الله(ص)، وبعد تعرّضها لکلّ الظّلم؛ من أخذ فدک وهی حقّ لها، ومن السّعی لإحراق بیتها الّذی کانت تتواجد فیه مع زوجها وأصحابه الّذین وقفوا معه موقفاً معارضاً لما جرى فی السّقیفة آنذاک...
مضت الزّهراء إلى مواجهة هذا الانحراف بمسؤولیّة، فوقفت فی مسجد أبیها رسول الله(ص) تتحدّث عن دور أبیها، وما ترک من رسالةٍ لا بدّ من أن تحصّن وتحفظ. ثم راحت تشیر إلى حقّها بکلّ منطق علمیّ هادئ، وناقشت کلّ ذلک. ولم تتحدّث أبداً عن أنها بنت رسول الله(ص) وکفى، وإنّما تحدّثت بما کان یدعو إلیه أبوها(ص): {وَجَادِلْهُم بِالَّتِی هِیَ أَحْسَنُ }.
وعندما رأت أنّ هذا الأمر لم یؤدِّ إلى نتیجة، أعلنت موقفها الحاسم أمام نساء المهاجرین والأنصار، وبعد ذلک أمام رجالهنّ، حیث بیّنت أنّ موقفها لم ینطلق من مالٍ تسعى إلیه، أو أرضٍ تدافع عنها، أو لتردّ إساءةً تعرّضت لها، وإنّما من خلال شعورها بأنّ صاحب الحقّ فی قیادة الواقع الإسلامیّ، هو الأقرب إلى رسول الله(ص) والأعلم، والأکثر جهاداً، والأکثر وعیاً لرسالة رسول الله(ص)، والأکثر حکمةً ومعرفةً بإدارة شؤون المسلمین، وهو الّذی قال فیه رسول الله(ص): "من کنت مولاهفهذا علیّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحقّ معه کیفما دار".
ومن هنا، فإنّ نساء المهاجرین والأنصار عندما أتین إلیها فی مرضها، وقلن لها: کیف أصبحت یا بنت رسول الله؟ قالت محتجّةً علیهنّ: "أصبحت واللهعائفةًلدنیاکنّ، قالیةً لرجالکنّ... وما الّذی نقموا من أبی الحسن؛ نقموا منه نکیر سیفه، وشدّة وطأته، ونکال وقعته...".وعندما رأت أنّ القوم لن یعودوا عن غیّهم، أعلنت موقف الاحتجاج الکبیر، عندما رفضت عذر من أساء إلیها، وأوصت بأن تدُفن سرّاً، وأن لا یحضر جنازتها الّذین واجهتهم فی الموقف، وأرادت أن یسوّى قبرها، من أجل أن یکون ذلک دلیلاً على کلّ تلک المأساة الّتی کانت لله وفی سبیل الله ومع رسول الله(ص).
وبعد دفنها، وقف علیّ(ع) یؤبّن الزّهراء، متوجّهاً إلى رسول الله(ص) بکلّ الحزن الّذی کان یضجّ فی قلبه وقلوب أولاده، قائلاً: "السّلام علیک یا رسول الله، عنّی وعن ابنتک النّازلة فی جوارک، والسّریعة اللّحاق بک، قلّ یا رسول الله عن صفیّتک صبری، ورَقَّ عنها تجلُّدی، إلا أنّ فی التأسّی لی بعظیم فرقتک، وفادح مصیبتک، موضع تعزٍّ، فلقد وسّدتُک فی ملحودةِ قبرک، وفاضت بین نحری وصدری نفسُکَ. فإنّا لله وإنّا إلیه راجعون. فلقد استُرجعت الودیعة، وأُخذت الرّهینةُ".

الزّهراء: تجسید حیّ للإسلام

هذه هی الزّهراء الّتی مثّلت التّجسید الحیّ للإسلام، فکانت المعصومة، وکانت العابدة الّتی عبدت الله حتى تورّمت قدماها، والصّابرة على الظّلم الشّخصیّ، والباقیة عبر التّاریخ صدّیقةً شهیدةً تشهد على أمّتها.. وسنبقى نحن الّذین ننتمی إلى هذا البیت الطّاهر، نعبّر عن هذا الولاء، لا من خلال دموعنا عندما نبکی ألمهم وحزنهم، بل من خلال تحویل هذه الدّموع إلى ثورةٍ رسالیّةٍ فی مواجهة کلّ باطلٍ وانحراف.
والسّلام على الزّهراء یوم وُلدت، ویوم انطلقت إلى رحاب ربّها، ویوم تبعث حیّةً، ویوم تشفع للمؤمنین والمؤمنات. نسأل الله أن نکون ممن تشفع لهم وتضعهم تحت ظلّها فی جنّات النّعیم.































ارسال تعليق
captcha
لن يتم الكشف عن الآراء التي تتضمن إهانات للأفراد أو الإثنيات أو تؤجج النزاعات او تخالف قوانين البلاد و التعالیم الدينية.