
غالبا ما تتحول المسافة الزمنیة إلى عنصر حاسم فی إعادة قراءة هذا الحدث او ذاک؛ قراءة متأنیة متحررة من انفعالات اللحظة، وتشوشات الحدث..وهذا ینطبق بشکل کبیر على الحدث الکبیر والتاریخی الذی شهده العالم العربی فیما یسمى بـ(الربیع العربی) أو بـ"الصحوة الإسلامیة"..لا تهم التسمیة الآن أو الهویة المضمرة فی کلا التوصیفین، لأن شروط إنجاز قراءة هادئة وموضوعیة الآن متوفرة بشکل أفضل من مرحلة تفجر الحدث وفجائیته المربکة لکل التوقعات والاستشرافات، ولعل عنصر المفاجأة فی هذا الحراک هو الذی حملّ الحدث اکبیر الکثیر من الآمال والأحلام حتى رأى فیه البعض أنه طفرة فی الواقع العربی ستتحقق معها کل أهداف التحرر والوحدة والتنمیة..وأنه معطى استراتجی سیغر معادلة الصراع فی المنطقة على حساب العدو الإسرائیلی.
لا نزعم أنه لم یکن هناک متحفظون ومتوجسون خاصة من أولئک الذین لم یستسیغوا قیام ثورات من دون قیادات حزبیة طلیعیة، ومن دون برامج سیاسیة، ومن دون منطلقات إیدیولوجیة واضحة ومحددة.
ولا ننکر وجود فریق من المحلّلین الذین أرادوا کبح اندفاعة المتفائلین بتطورات المشهد العربی ومآلاته، وانکروا على من یلحق الحدث التونسی او صنوه المصری بسجّل الثورات الکبرى، لاعتقادهم أن الثورة لا تستقیم من دون فاعلیتین اثنتین؛ وهما فاعلیة القطع والافتتاح، أی القطع مع سیاق تاریخی سیاسی واجتماعی فی تعبیراته الکبرى، وافتتاح سیاق جدید؛ على قاعدة هذا القطع؛ یسمح بتلمس تجلیات سیاسیة واجتماعیة وثقافیة جدیدة ضمن سیرورة ثوریة تتکامل فی بنیاتها وبناءاتها. وهذا ما لم یلحظ سواء فی تونس أو فی مصر. حیث أسقط برأس النظام وظلت بقایا النظام واحتفظت السیرورة ما قبل ثوریة على الکثیر من فاعلیتها.
بل هناک من ذهب إلى منهجیة التحلیل بالنتائج، متوقفا أمام هویة القوى التی صعدت على موجة الحراک الشعبی ووصلت إلى مواقع السلطة ودائما فی النموذجین التونسی والمصری. واضعا امامنا الکثیر من المعطیات التی تشیر الى توافق ما قد حصل بین القوى الاسلامیة القاطفة لثمار الحراک الشعبی وبین الادارة الأمریکیة. ولیترکنا فی حیرة کبرى عندما یشیر هذا البعض؛ ومن خلال معطیات تسمح بهذا الإستتنتاج؛ إلى أن أحد أهم معطیات هذا التوافق کان هو ضمان أمن (إسرائیل).
أما الفریق الذی اختصر معادلة "وهم الثورة "على حد تعبیره ، فقد تساءل عن کیف تتحول قناة "الجزیرة" القطریة إلى الذراع الإعلامیة الضاربة المساندة للفعل الثوری والمحرضة على اتساق نقاطه، وهی فی واقعها مشروع إعلامی مرتبط بوزارة الخارجیة القطریة المعروفة بارتباطاتها الأمریکیة والصهیونیة؟!، فکیف تکون ثورة من أجل الحریة مدعومة إعلامیا بمشیخة استبدادیة ومتأمرکة؟؟
هذا دون أن نغفل من اعترض على مقولة "الصحوة الإسلامیة" کتوصیف وهویة للحدث العربی الکبیر، مسجلا تفاوتا هائلا بین وقائع الثورة الإسلامیة فی إیران عند انتصارها، وبین التعبیرات الإسلامیة فی هذا الحراک الراهن..بل لم یتردد البعض؛ وانطلاقا من الحدث المصری؛ أن یتساءل عن ای صحوة هذه التی أتت بحزب النور السلفی کقوة مؤثرة فی مجلس الشعب المصری على حساب القوى الثوریة الحقیقیة؟ وجعلت ما یسمى ب"شورى العلماء" السلفیة التکوین والمشرب تلعب أدوارا متقدمة ومؤثرة فی مآلات السباق الانتخابی الرئاسی فی مصر؟
وقد یربکنا هذا البعض المعترض بدعوتنا إلى مجرد تأمل فی الواقع الناشئ فی دول هذا الحراک حیث یُلحظ کیف أن التیارات السلفیة ذات الفهم الجامد والمتحجر للدین هی الفاعل الأساسی فی معظم هذه الساحات، وما النموذج التونسی إلا مثال صارخ حیث تتجه الأوضاع إلى الإرتکاس فی أجواء من الفوضى والاضطراب بفعل ممارسات القوى السلفیة وتجاوزاتها، ولجوءها إلى الابتزاز وتهدید السلم الأهلی.
وقبل أن نختم حلقة هذا العرض المختصر والمرکّـز حول معطیات القراءة التی تذهب إلى أن ما حصل لا هو بثورة ولا هو بصحوة بل مجرد احتجاج شعبی ضخمته الجزیرة واحتوته الإدارة الأمریکیة ضمن حدود تصورها لإعادة صیاغة خرائط الجغرافیا للمنطقة، لا بأس أن نضیف إلى الدائرة، أولئک الذین انطلقوا من الحدث السوری وتداعیاته لیخلصوا إلى أنه وفی الحساب الاستراتیجی فإن "الثورات" کانت السیاق المناسب للانقضاض على سوریة، کمدخل لتصفیة الحساب مع محور الممانعة والذی یعانی –الآن- من آثار التهییج المذهبی والطائفی والذی قد یقود وبشکل فعلی الى تحویرات دراماتیکیة کبرى فی معادلة الصراع بالمنطقة، تصبح معه (إسرائیل) فی مرکب واحد - على حدّ تعبیر أحد قیادات السلفیین- مع قوى إسلامیة ودول خلیجیة وعربیة فی مقابل کل من سوریة وإیران و"حزب الله".
یُتبع.
ارسال تعليق
لن يتم الكشف عن الآراء التي تتضمن إهانات للأفراد أو الإثنيات أو تؤجج النزاعات او تخالف قوانين البلاد و التعالیم الدينية.