
هو انتصار بیّن ولا لبس فیه، و باعتراف العدو الصهیونی، وهو یعد وبموضوعیة أول انتصار نوعی ألحق ب(إسرائیل) هزیمة قاسیة کانت له تداعیاته السیاسیة والعسکریة فی حینه، ولا زالت تفاعلاته قائمة حتى الساعة. بل یمکن القول أن (إسرائیل) لا زالت تعیش عقدة حرب تموز، تماما کما عاشت امریکا عقدة هزیمة فیتنام ولم تفلح فی الخروج من آثارها برغم خوضها لحروب ومغامرات عسکریة جدیدة سواء فی العراق او فی أفغانستان.
انه انتصار تموز الذی صنعته المقاومة الإسلامیة فی لبنان فی تموز 2006 فی سیاق من تراکم العمل الجهادی والمقاوم لأزید من عقدین من الزمن، عرف محطات فاصلة ونوعیة کتحریر الجنوب فی 25 أیار 2000وانتهى فی معرکة تموز بافتتاح سیاق جدید فی تجربة الامة عنوانه نهایة زمن الهزائم وبدایة زمن الانتصارات کما عبر عن ذلک السید حسن نصر الله أمین عام حزب الله.
حاول المهزمون أن یشککوا فی النصر وارادوا التهویل بالدمار الذی الحقه طیران العدو بالبنیة التحتیة وببلدات الجنوب وصولا الى تدمیر الضاحیة الجنوبیة تدمیرا شبه کامل، لکن تقریر اللجنة التی کان یرأسها القاضی (فینوغراد) وتضم فی عضویتها خبراء عسکریین وامنیین، ونوابا، کانت بمثابة الرد الحاسم على هؤلاء حیث اشتمل التقریر على اعتراف صریح بالهزیمة والإخفاق العسکریین.
فی بدایة العدوان کان واضحا بأن (إسرائیل) ما هی إلا أداة عسکریة لتحقیق جملة اهداف توافقت علیها کل من أمریکا ودول عربیة إقلیمیة تتمثل فی ضرب المقاومة الاسلامیة وإعادة لبنان إلى حضن الإعتدال العربی، ومن ثم الانتقال الى ضرب سوریا کشرط لإنجاز شرق أوسط جدید على حد تعبیر کوندالیزا رایس وزیرة الخارجیة الأمیرکیة، شرق جدید تغیب فیه المقاومة وتصفى فیه القضیة الفلسطینیة. ومن الأکید أن (إسرائیل) کانت فی صلب هذا المشروع لکنها کانت معنیة أساسا بالإنتقام من المقاومة ومن توصیف السید حسن نصر الله لها ب "أوهن من بیت العنکبوت" فی خطابه ببنت جبیل الذی أعقب تحریر جنوب لبنان فی ایار 2000.
لکن کل هذا المشروع تکسر على اعتاب بلدات مارون الراس، وعیتا الشعب وبنت جبیل، بفعل الأداء الملحمی والأسطوری لعناصر المقاومة الإسلامیة الذین قلبوا کل المعطیات فی العلم العسکری وتحولوا الى رواد فی أداء عسکری جدید مزج بین أسلوب حرب العصابات وأسلوب الجیش النظامی، فاجأ الصهاینة وألحق هزیمة منکرة بجیشهم الذی تأسس على نظریة الحرب القصیرة والکاسحة والحاسمة .
وبتواز مع صمود المقاومة وإدراتها المحکمة للمعرکة، وظهور أولى علامات الإخفاق ونذر الهزیمة للصهیانة؛ ارتفعت شعبیة "حزب الله" وأمینه العام السید حسن نصر الله فی أوساط الجماهیر العربیة والإسلامیة، فی مشهد عکس وعیا متقدما بمصیریة هذه المواجهة على المستقبل وعلى القضیة الفلسطینیة بل وعلى وجه کل المنطقة.
وکانت هذه الهبّة الشعبیة الإسلامیة المتلاحمة مع المقاومة وهی تسیر فی اتجاه النصر المبین مشهدا مقلقا للضلع العربی الرجعی المتورط سیاسیا ومالیا فی هذا العدوان، واقلقهم کیف تحتشد الأمة دعما لحزب (شیعی)، وترفع صور أمینه العام فی المسیرات والتظاهرات الداعمة للمقاومة، وهم الذین استثمروا اموالا طائلة فی إثارة الفتنة المذهبیة والتحریض على الشیعة والتشیع!
وانتهت الحرب بهزیمة منکرة ل(إسرائیل)، وکان ان غرقت فی ذیول الهزیمة وفی النتائج العسکریة والسیاسیة للفشل فی مخطط العدوان، بهتت أمریکا وصعقت من هذا الانجاز الذی سیقوی خط المقاومة ومشروعها فی المنطقة وتناثرت خارکتها الجدیدة للشرق الأوسط، شاهت وجوه القادة الذی کانوا طرفا خفیا فی العدوان وأیقنوا بفداحة الخسارة فی الرهان وخطورة النتائج المترتبة على الانتصار.
اما (اسرائیل) المهزومة فحاولت الاستفادة من الهزیمة وترمیم صورة الردع المتهشمة لدیها، وبدات فی الاستعداد للجولة القادمة من المواجهة عبر سلسلة من المناورات وبالاستفادة من معطیات تقریر فینوغراد. اما أمریکا فقد تمسکت بخارطتها للشرق الاوسط الجدیدة وشرعت فی التخطیط لاستحداث شروط جدیدة فی المنطقة تسمح بإنجاز هذه الخریطة، وعملت على خط مواز على تشویه صورة المقاومة حیث أکد مساعد وزیرة الخارجیة الأمریکیة السابق لشؤون الشرق الأدنی وسفیر أمریکا السابق فی لبنان جیفری فیلتمان فی شهادته فی جلسة استماع بشأن «حزب الله» أمام لجنة العلاقات الخارجیة فی مجلس الشیوخ الأمریکی، قیام الولایات المتحدة بإنفاق أکثر من 500 ملیون دولار فی لبنان لتشویه صورة حزب الله لدى الشباب اللبنانی. وقال فیلتمان فی شهادته : " إن الولایات المتحدة تقدم المساعدة والدعم فی لبنان للذین یعملون علی إیجاد بدائل للتطرف والحد من صورة «حزب الله» الأیجابیة لدى الشباب اللبنانی!
من جهتها اعتمدت بعض دول الخلیج مشروعا اعلامیا ضخما قوامه عدد کبیر من القنوات الفضائیة، وذلک لأجل هدف واحد؛ هو تشویه الشیعة وتعمد الإساءة للسید حسن نصر الله، واتهام حزب الله بحراسة أمن (إسرائیل)..والعمل على تحویر العداء فی اتجاه إیران (الشیعیة) تأسیسا على مقولة أن "خطر الرافضة أکبر من خطر الیهود"!
وللأسف فقد استطاعت هذه الماکینة الإعلامیة الضخمة فی إحداث اختراقات معتبرة فی وعی شریحة لا بأس بها من أبناء الأمة، خاصة وأنها کانت متأهبة لاستثمار أی حدث ذو طبیعة سیاسیة لتحویلة إلى حدث مذهبی کما حصل فی أحداث 7 ایار عام 2008 فی بیروت وبعض مناطق جبل لبنان بین المقاومة وحلفائها وفریق 14 آذار.
ومع أن المقاومة لم تعتبر انتصارها قابلا للصرف ضمن القنوات المذهبیة، بل اعتبرته انتصارا لکل الأمة، إلا أنها لم تسلم من عقدة الحاقدین مذهبیا، إذ حصل نشاط محموم من قبل هؤلاء لقطع الطریق على ما اعتبروه "تشیع سیاسی"، بدأت تظهر تعبیراته فی الشارع العربی. وکأن المقاومة صارت تُسأل بصیغة استنکار: لماذا انتصرت؟
وعلى قدر نشاط اصحاب الاحقاد المذهبیة فلم یلحظ اهتمام النخب والمثقفین بهذا الانتصار الفرید، وإذا استثنیا مواقف الفرح والاغتباط لحظة الانتصار فیصعب أن نسجل تناولا فکریا وثقافیا لهذا الحدث الکبیر والعمل علیه لأجل تحویله فی الوعی العربی والإسلامی إلى لحظة فارقة بین زمانین. وهکذا أضاعت النخبة استثمارا خلاقا فی الانتصار وظلت أسیرة لحظتی النکبة والنکسة وکأنها آبیة على الارتفاع من درک الهزیمة.
وهکذا قدر على المنتصر ان یدفع ثمن انتصاره على العدو، حملات من الإساءة والتشویه، ومخططات لضرب المقاومة ونزع سلاحها..إلى أن تفجرت أحداث ما سمی ب(الربیع العربی)، والذی تمت برمجة شعاراته بعیدا عن القدس وفلسطین، وتم التحکم فی سیاقاته لیدفع بالتیارات السلفیة الى الواجهة؛ وهی المعادیة - بطبیعة تکوینها وأفقها الفکری- لعناوین المقاومة والتحرر الوطنی والنهضة..وکان على هذا الربیع الزائف ان یحط بسوریة؛ سوریة حصن المقاومة وقلعة الصمود، وکأن الهدف کان هو الوصول إلى قلب العروبة لسحقه، ولیتفکک بعد ذلک محور المقاومة لیصبح الطریق سالکا أمام الخرائط الجدیدة المعدة للمنطقة.
ومع دخول حزب الله لسوریا دفاعا عن محور المقاومة وردا على مخطط تفکیک المنطقة، واستباقا لما یمکن ان یتعرض له لبنان من خطر تکفیری ..وجد الحاقدون والمتمذهبون فرصتهم لشن اقذر حرب یمکن ان تشن على مقاومة فی التاریخ. غاب الانتصار الکبیر من الذاکرة، وسقطت فلسطین من الوعی، وضاعت البوصلة.
لکن مکر التاریخ دفع بأحداث غزة فی رمضان الأخیر، من قلب الحدث الذی هیمنت علیه فتوحات الداعشیین واقترافاتهم الشنیعة، فإذا بالأمة تصحو من مخدر اعشاب "الربیع" المغشوش، وتتوجه مجددا إلى عنوان فلسطین عبر غزة..وتعاین وحشیة العدوان وتواطؤ کل الذین سارعوا لتخریب سوریة باسم "الثورة"، وأمام الحسرة والتفجع لمشهد المجازر فی غزة، تنتبه الأمة بأن الذین صنعوا نصر تموز 2006 نقلوا کل دروس وتکتیکات الحرب بل وکثیرا من عدة الحرب للفصائل المقاومة فی غزة، وأن صمود المقاومة فی غزة هو نتیجة لحرب تموز 2006، ولاحظت الأمة أن محور العدوان على غزة هو نفسه محور العدوان على المقاومة فی 2006..لاحظت الامة ..سکت الجمیع فقط موقفان وهما فی الواقع اعمق من موقفین، موقف قائد فیلق القدس الجنرال قاسم سلیمانی فی رسالته إلى المقاومة الفلسطینیة، وموقف السید حسن نصر الله بمناسبة یوم القدس العالمی حیث تکمل من موقع المعرفة والشراکة "أقول لکم من موقع المعرفة والشراکة أن المقاومة فی غزة قادرة على صناعة النصر..".
مابین نصر تموز 2006 وانتصار غزة الواعد فی 2014مساحة من الدعم والعمل المشترک والإعداد للمعرکة التی ستعید فلسطین إلى الأمة والأمة إلى فلسطین.
کل انتصار وأنتم بالف خیر.