17 August 2014 - 22:19
رمز الخبر: 7493
پ
کیف ولماذا تنحى السید نوری المالکی دراسة تحلیلیة مِنْ الوسط الحوزوی

بِسْمِ اللهِ الْرَّحْمَنِ الْرَّحِیِمِ

1 ـ لقد اتخذت المرجعیة الدینیة العلیا جانب الحیاد فِی الانتخابات النیابیة الأخیرة وأوضحت أنها لا تدعم فیها أیّ طرف عَلَى حساب طرف آخر، وأنَّ الأمر متروک لإرادة المواطنین یختارون مِنْ یشاءون مِنْ المرشحین وَمِنْ القوائم الانتخابیة.

وَبَعْدَ ظهور نتائج الانتخابات تلقّت المرجعیة الدینیة العلیا رسائل عدیدة مِنْ قیادات أساسیة فِی المکونات الأخرى تشدّد فیها عَلَى رفضها المطلق للولایة الثالثة لرئیس الوزراء الحالی وتطالب بترشیح بدیل عنه مِنْ التحالف الوطنی، ولکن ارتأى سماحة السید آنذاک عدم التدخل فِی هَذَا الأمر بَلْ انتظار ما تسفر عنه حوارات الکتل السیاسیة، وَقَدْ أبلغ سماحته کُلّ مِنْ التقى بهم ـ وَمِنْهُم ممثل الأمین العام للأمم المتحدة ـ بأنه لَن یتدخل فِی موضوع تشکیل الحکومة المقبلة إلَّا إذَا حصل انسداد سیاسی وواجه البلد أزمة خانقة تهدد العملیة السیاسیة برمّتها.

2 ـ لقد کانت للمرجعیة الدینیة العلیا ملاحظات أساسیة عَلَى أداء الحکومة فِی إدارة شؤون البلد وَمِنْ هُنَا امتنعت عَنْ استقبال المسؤولین فیها منذ عِدَّة أعوام، وَمِنْ أبرز تلک الملاحظات هُوَ تقصیرها فِی توفیر الخدمات وفی مکافحة الفساد الذی تفشّى بصورة غَیْر مسبوقة فِی مختلف دوائر الدولة وفی أعلى المستویات، حَتّى أصبح عائقاً أساسیاً أمام أیّ تقدّم حقیقی فِی المجالات المُهِمَّة کالأمن والخدمات والتنمیة الاقتصادیة وغیرها.

وَقَدْ ألحّ سماحة السید عَلَى رئیس الوزراء أنْ تکون لَهُ صولة عَلَى الفاسدین کصولته عَلَى الخارجین عَلَى القانون إلَّا أنَّهُ لَمْ یقم بأی جهد حقیقی فِی هَذَا المجال بَلْ ساهم فِی تقنین الفساد وحمایة الفاسدین بما لا یتسع هَذَا المقال لاستعراض الشواهد عَلَیْهِ.

وَعِنْدَمَا استولت عصابة داعش الإرهابیة عَلَى محافظة نینوى وأجزاء واسعة مِنْ محافظات صلاح الدین والأنبار ودیالى وتعاظم خطرها عَلَى بغداد وَبَقیَّة البلاد ـ حَتّى اضطرت المرجعیة الدینیة العلیا إلى دعوة المواطنین للتطوّع فِی صفوف القوات المسلحة تجنباً عَنْ الانهیار التام ـ تبین مدى الخلل فِی إدارة الملف الأمنی أیضاً، وَهُوَ الملف الذی کَانَ یحتکره رئیس الوزراء بجمیع مفاصله وَلَمْ یکن لغیر مِنْ یعینهم ویرتضیهم مِنْ القیادات والمسؤولین أیّ دور فیه، فَکَانَ هُوَ المسؤول عَنْ الإخفاق الکبیر فِی هَذَا الملف، بخلاف بَعْض الملفات الأخرى کملف الخدمات الذی طالما اعتذر عَنْ فشل الحکومة فیه بأنّ الوزراء الخدمیین إنما هُمْ مِنْ کتل أخرى ویتعمدون عدم تحقق أیّ إنجاز ملموس فِی توفیر الخدمات حَتّى لا یحسب نجاحاً لرئیس الوزراء.

3 ـ لقد باتت المرجعیة الدینیة العلیا عَلَى قناعة تامة بأنّ التدهور الکبیر فِی الحیاة السیاسیة العراقیة بین أبناء الوطن الواحد مِنْ جهة وبین العراق ومحیطه العربی والإسلامی مِنْ جهة أخرى یجعل الحاجة ماسّة إلى تغییر فِی أکثر مِنْ موقع ومنصب تتغیر معه آلیة التعاطی مَعَ أزمات البلد المستعصیة، وتعتمد رؤیة مختلفة عما جرى العمل بها خلال السنوات الأخیرة إذَا أرید درء مخاطر الإرهاب والحرب الطائفیة والتقسیم الَّتِی تعاظمت فِی المدة الأخیرة ولا سیما بَعْدَ سقوط الموصل بید الدواعش.

وبالرغم مِنْ قناعة المرجعیة العلیا بما تَقَدَّمَ إلَّا أنها آثرت الانتظار لبعض الوقت وَلَمْ تبد رأیها هَذَا، عسى أنْ تتجلى الأُمُور للکتل السیاسیة فتبادر مِنْ تلقاء نفسها إلى تبنی التغییرات المطلوبة.

4 ـ وفی الأثناء تلقى سماحة السید رسالة خطّیة مِنْ قیادة حزب الدعوة الإسّلامیَّة مؤرخة فِی السَّادِس والعشرین مِنْ شهر شعبان الموافق 25 حزیران وَقَدْ وَرَدَ فِی آخرها: «نحن نتطلّع إلى توجیهاتکم وإرشاداتکم ونعاهدکم أننا رهن أمرکم بکُلِّ صدق فِی کُلّ المسائل المطروحة وفی کُلّ المواقع والمناصب لإدراکنا بعمق نظرتکم ومنطلقین مِنْ فهمنا للمسؤولیة الشرعیة».

وعندئذ رأى سماحة السید أنَّ مِنْ مسؤولیته الشرعیة أنْ یبدی رأیه صریحاً لهؤلاء الأخوة فِی رسالة خاصة ـ لَمْ ینشرها الحزب إلَّا مؤخراً ـ وَقَدْ وَرَدَ فیها: «أننی أرى ضرورة الإسراع فِی اختیار رئیس جدید للوزراء یحظى بقبول وطنی واسع ویتمکن مِنْ العمل سویة مَعَ القیادات السیاسیة لبقیة المکونات لإنقاذ البلد مِنْ مخاطر الإرهاب والحرب الطائفیة والتقسیم».

وَهَذَا (الرأی) لَمْ یکن بصیغة فتوى شرعیة بَلْ کَانَ یعبّر عَنْ موقف سیاسی للمرجعیة العلیا الَّتِی اعترف الأعداء قبل الأصدقاء بحکمتها وصواب منهجها ودقّة قراراتها السیاسیة فِی أشدّ الظروف وأکثرها تعقیداً.

5 ـ وَعِنْدَمَا وصلت هَذِهِ الرسالة إلى رئیس الوزراء رفض ما وَرَدَ فیها، مَعَ أنَّهُ طالما أبدى استعداده للعمل بتوجیهات سماحة السِّیّد، وَمِنْ ذَلِکَ ما أشار إلیه فِی رسالته الخطّیة الَّتِی وجهها إلى سماحته فِی 1 رجب 1435 الموافق 1 آیار 2014 حَیْثُ وَرَدَ فیها: «إنَّ العراق یمرّ بمرحلة جدیدة یحتاج لرعایتکم وتجیهاتکم لتحفظ العملیة السیاسیة مِنْ الإنحراف أو الخراب لا قدر الله». وَقَدْ حاول کبار الأعضاء فِی قیادة حزب الدعوة وقیادات بارزة فِی ائتلاف دولة القانون إقناعه بالالتزام بمضمون رسالة المرجعیة الدینیة العلیا إلَّا أنَّهُ ظل مصراً عَلَى موقفه الرافض لذلک.

6 ـ ولما یئست قیادة حزب الدعوة عَنْ إقناع رئیس الوزراء بسحب ترشیحه للولایة الثالثة قاموا بترشیح الدکتور حیدر العبادی لهذا المنصب وتمکّنوا بَعْدَ حوارات مضنیة مِنْ الإتفاق مَعَ بَعْض الکتل المنضویة فِی دولة القانون وکتل الائتلاف الوطنی عَلَى أنْ یکون هُوَ مرشّح التحالف الوطنی، وعندئذ قام السِّیّد رئیس الجمهوریة بتکلیفه بتشکیل الحکومة الجدیدة.

7 ـ ولکن رفض رئیس الوزراء القبول بما جرى، وزعم أنَّهُ ینافی استحقاقه الدستوری لِإنَّهُ حزاز عَلَى أزید مِنْ سبعمائة ألف صوت أیّ أعلى مِنْ أیّ فائز آخر فِی الانتخابات، وَقَالَ أیضاً أنَّ کتلة دولة القانون تعدّ هِیَ الکتلة الأکبر ولذلک فَإنَّ تکلیف مرشح التحالف الوطنی یعتبر خرقاً دستوریاً.

وَقَدْ حاول أکثر منطرف إقناعه بأن الاستحقاق الانتخابی فِی النظام البرلمانی لا یعنی أنَّ مَنْ حاز أعلى الأصوات یکون هُوَ الذی یجب تکلیفه بتشکیل الحکومة الجدیدة بَلْ یتبع ذَلِکَ الضوابط القانونیة، والخرق الدستوری فلا أساس لَهُ أیضاً فَإنَّ التحالف الوطنی أعلن عَنْ نفسه قبل الجلسة الأولى لمجلس النوّاب فِی مؤتمر صحفی وفی وثیقة موقّعة مِنْ رؤساء کتله وَلَیْسَ فِی الدستور ولا فِی قرار المحکمة الاتحادیة ضرورة إبلاغ رئیس السن بذلک.

ولکن استمر رفض رئیس الوزراء لما جرى واشتکى إلى المحکمة الاتحادیة وَلَمْ یقبل بالواقع الجدید إلَّا بَعْدَ أنْ تأکّد أنَّ شکواه لا توصله إلى نتیجة لِأنَّ المحکمة الاتحادیة لن تحکم لصالحه.

8 ـ یظنّ البعض أنَّ الائتلاف الوطنی لو وافق عَلَى مرشّح دولة القانون لتمکّن الطرفان مِنْ تشکیل الحکومة المقبلة ولنالت الثقة فِی مجلس النوّاب ـ لأنّهما یمتلکان الأغلبیة المطلقة ـ وإنْ لَمْ یوافق عَلَیْهَا التحالف الکردستانی أو اتحاد القوى الوطنیة، ولکن هَذَا غَیْر صحیح فَإنَّ الوضع الخاص للعراق یستوجب نیل الحکومة موافقة الکتل الرئیسیة الثلاث عَلَیْهَا وَإلَّا انهارت العملیة السیاسیة وتعرض البلد للتقسیم الفعلی، وَقَدْ کَانَ موقف التحالف الکردستانی واتحاد القوى الوطنیة واضحاً مِنْ أنّهما لا یشترکان فِی حکومة یرأسها رئیس الوزراء الحالی فِی مطلق الأحوال.

ویسأل البعض لماذا لَمْ تمنح رئیس الوزراء فرصة تشکیل الحکومة حَتّى إذَا فشل کلّف بذلک غیره؟ والجواب: أنَّ السِّیّد رئیس الجمهوریة کَانَ یرى أنَّ الکتلة الأکبر فِی مجلس النواب هِیَ التحالف الوطنی فَلَمْ یکن باستطاعته دستوریاً أنْ یکلف مَنْ لا یکون مرشحاً لها.

بالإضافة إلى أنَّ کثیراً مِنْ نواب دولة القانون رفضوا ـ بَعْدَ کُلّ ما جرى ـ تکلیف رئیس الوزراء بتشکیل الحکومة ـ ومنهم نواب کتلة بدر والمستقلون وقسم مِنْ نواب کتلة الدعوة ـ فَلَمْ یعد مرشحاً حَتّى لتمام دولة القانون، مَعَ أنَّ التدهور الأمنی الخطیر الذی تشهده البلاد وما رافقه مِنْ معاناة وتشرید مئات الآلاف مِنْ المواطنین کَانَ یحتم عدم تضییع الوقت فیما یعلم أنَّهُ لا یؤدی إلى أیة نتیجة مقبولة.

9 ـ یظن البعض أنَّ ما حصل مِنْ التغییر کَانَ استجابة لضغوط أجنبیة ودولیة، ـ هُنَا إشارة إلى ما أشار إلیه السِّیّد محمود الهاشمی فِی بیانه الأوَّل مِنْ أنَّ التغییر الذی أشار إلیه السِّیّد السیستانی جاء بَعْدَ لقاءه بممثل الأمم المتحدة بان کی مون ـ ولکن هَذَا غَیْر صحیح أیضاً فَإنَّ مِنْ المُؤکَّد أنَّ القرار کَانَ عراقیاً بحتاً رعایة لمصالح العلیا للشعب العراقی، ولو لَمْ تصل المرجعیة العلیا والقادة السیاسیون إلى قناعة تامّة بذلک لما قبلوا بالتغییر مهما کانت الضغوط الخراجیة.

10 ـ یسأل البعض هَلْ أنَّ المرجعیة الدینیة العلیا واثقة مِنْ أنَّ تغییر الرئاسات الثلاث ولا سیما رئاسة الوزراء سیؤدی إلى تحسن أوضاع البلاد وانحسار الأخطار الَّتِی تواجهها؟ والجواب: أنَّ المُؤکَّد هُوَ أنَّ لَمْ یکن هُنَاک أیّ أفق لتحسن الأوضاع ووقف نزیف الدم العراقی مَعَ استمرار القیادات السابقة فِی السلطة، وأمَّا مَعَ القیادات الجدیدة فَهُنَاک أمل فِی تحسّن الأُمُور ولکنه منوط بما أشارت إلیه المرجعیة العلیا مِنْ الشروط.

 

 

 

ارسال تعليق
captcha
لن يتم الكشف عن الآراء التي تتضمن إهانات للأفراد أو الإثنيات أو تؤجج النزاعات او تخالف قوانين البلاد و التعالیم الدينية.