هدم الأضرحة .. والشرك الأعظم

بقلم: حامد عبد اللهي
ترجمة:رعد الحجاج
بسم الله الرحمن الرحيم
إن هبوب الرياح العاصفة من الجزيرة العربية القاحلة وهي تحمل في طياتها أخباراً مخيبة للآمال تقضي بلزوم هدم الأماكن المقدسة والعتبات المشرفة ، لَتدعو كل إنسان الى التفكير الجاد في عمق النعرات الجاهلية التي تكتنف شبه الجزيرة العربية ، وفي الانحطاط الذي آل له الموطن الأول للاسلام ومهبط الوحي ، حيث يتحكم فيه بضعة نفر من أشباه الرجال ؛ فيوماً يصدرون فتوى بقتل ملايين المسلمين من أتباع أهل البيت (ع) ، ويوماً يبتهجون ويرقصون لهدم المرقد الطاهر للامامين العسكريين (ع) ، وما زالت تسول لهم أنفسهم هدم باقي الأضرحة المقدسة لأبناء النبي الأكرم (ص) .
لقد تميزت تلك المنطقة الجغرافية بالفقر العلمي المدقع ، والجهل المزمن ، وسرطان الكبر والحمية الجاهلية ، والجفاء وعدم المرونة ، والتحجر ، حتى أن نزول القرآن الكريم باللغة العربية وظهور نبي الرحمة محمد بن عبد الله (ص) من وسط أولئك لم يغير من الأمر في شيء : )وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ( (فصلت:44) .
إن أحفاد أبي لهب وأبي جهل وأبي سفيان كانوا وما زالوا يبذلون قصارى جهودهم لإطفاء نور أهل بيت العصمة والطهارة وحملة الراية المحمدية ومفسري القرآن الكريم : ) يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ( (الصف:9) .
إن الحضارة الاسلامية القائمة على التعاليم الاسلامية الأصيلة عمت كافة أرجاء العالم ، لكن يبدو أنها لم تزد المعاندين والصحراويين إلا حقداً وكراهيةً ونفوراً ؛ فالآباء الوائدون للبنات بالأمس أضحوا من ألدّ أعداء العصمة اليوم ، ولم تخلف العروبة وراءها سوى سوق الجحافل تلو الجحافل لنهب القارات واغتيال علماء آل محمد ومحاولة إبادة النسل العلوي عبر تأسيس الحكومات الجائرة باسم الخلافة : ) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً ( (الاسراء :41) .
صار سكان البوادي الذين كانوا يشكلون جزء من المناطق النائية في الامبراطورية العظيمة لايران أتباعاً لأسيادهم الأمريكان بما لديهم من دولارات طائلة وعوائد ضخمة ناتجة من تصدير البترول ؛ فلم يعد يخجلهم قتل الحجاج وضيوف الرحمن في بيت الله الحرام ، ولا إلصاق التهم وشتى الافتراءات بأتباع مدرسة أهل البيت (ع) ! فهؤلاء الشيوخ الذين يعتبرون احتلال فلسطين قضية عربية ، ويسعون لتحريف التاريخ واعتبار كبار علماء العالم الاسلامي كابن سينا الفارسي عربياً ، ويطلقون اسم الخليج العربي جزافاً على الخليج الفارسي ؛ هؤلاء يلوذون بالصمت إزاء كتاب "الآيات الشيطانية" للمرتد سلمان رشدي ، الذي ألفه اعتماداً على الروايات الموضوعة لسلفهم الطالح .
أما أجدادهم فقد دخلوا الاسلام عنوة بعد أن كانوا يشربون الخمر ويمارسون الزنا ، وكانوا منهمكين بشركهم الأصغر فيعبدون اللات والعزى بدلاً من الله الواحد القهار . والوهابيون –أحفاد هؤلاء – ابتلوا بالشرك الأكبر ، ويؤمنون بإله لا يقوى على حفظ قرآنه ؛ إذ يدعون أن الشيعة الرافضة قد حرفوا القرآن ! وهو تعالى يقول : ) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ( (الحجر:9) . كما أن ربهم يخشى من توسل عباده الصالحين وطلب الشفاعة منه ؛ فيما يقول تعالى : ) لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً ( (مريم:87) ، ) يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً ( (طـه: 109) ، ) وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ( (سـبأ: 23) .
ولا بد من القول : إن كلامنا غير موجه للوهابيين المتحجرين الذين جعلوا صورة الاسلام مقترنة بالعنف ، وسلوك المسلمين مساوقاً لقتل الأبرياء واغتيال الشرفاء ، وهم في مهبط الوحي وموضع إعلان رسالة النبي (ص) الذي قال فيه تعالى : (
وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين ) ( الأنبياء :107) ، ( وأنك لعلى خلق عظيم ) (القلم : 4) .
إنهم يحاولون منع حدوث الشرك –بزعمهم- بالأسلحة والتفخيخ ! ولولا خشيتهم من المسلمين لهدموا قبر النبي (ص) أيضاً ، وهم في حيرة من أمرهم في الاجابة عن هذا التساؤل : ألا يعد الطواف حول الحجر (الكعبة) مصداقاً بارزاً للشرك ؟!
نعم نوجه كلامنا للمسؤولين الحكوميين ولعلماء الحوزات العلمية . فالجمهورية الاسلامية في ايران والحوزات العلمية هم ورثة المؤسس الكبير للثورة الاسلامية الامام الخميني (ره) الذي اتبع نهج أسلافه الصالحين في حمل راية اتحاد المسلمين بوجه الاستكبار العالمي وقال : "تخضع الأمة الاسلامية اليوم في قضاياها المهمة لأمريكا وحلفائها ، والطريق الوحيد للتحرر من هذه الضغوط وبلوغ الوحدة العملية هو التمسك بالحبل الالهي ، والاعراب عن الاستياء من النظام الحاكم في الولايات المتحدة باعتباره الطاغوت الأعظم" . وفي الوقت ذاته أكد قائلاً :"لنرى ما الذي جرى على كتاب الله ... قضايا مؤسفة يبكي الانسان عليها بدل الدموع دماً ، بدأت بعد استشهاد الامام علي (ع) . فقد اتخذ الطواغيت وأصحاب الأهواء القرآن الكريم وسيلة للتشبث بحكومات مناهضة للقرآن ، ونحّوا المفسرين الحقيقيين له والمدركين لحقائقه حيث ورثوها عن الرسول الكريم (ص) ، وذلك بذرائع واهية ومؤامرات مدبرة ، ولم يزل الرسول (ص) ينادي فيهم :"إني تارك فيكم الثقلين" ... وفي الحقيقة وضعوا القرآن جانباً ، وقضوا على حكومة العدل ، وأسسوا الانحراف عن دين الله وكتابه وسنة نبيه" .
ومجمل الكلام فان الاتحاد مع هذه الفرقة التكفيرية محال ؛ لأنها ما إن يستتب لها الأمر حتى تدمر العالم بأسره ، بعد أن نزع الله من قلبها الرحمة والعطف الانساني. لقد لوثت هذه الفرقة الضالة الأجواء الاسلامية والأخوية السائدة بين مختلف المذاهب الاسلامية ، وهي الآن منشغلة بدق إسفين الفرقة بين الشيعة والسنة طبق أوامر قادتها من الأمريكيين والاسرائيليين ؛ لذا يجب التفكير والخروج بحل ناجع ، وإلا سنشهد قريباً هتك حرمة الأضرحة المقدسة واستمرار إراقة دماء المؤمنين الذين تفوق حرمتهم حرمة الكعبة !
وبعد مضي كل هذه الأعوم الزاخرة بالمواقف الانفعالية ، نشهد الأيادي الوهابية تتلطخ بدماء الأبرياء في زاهدان والأهواز بذنب التشيع ، ونلاحظ أنهم يوزعون في مكة والمدينة كتيبات مليئة بالشبهات والأكاذيب والأباطيل ضد المذهب الشيعي . ومن جهة أخرى ، يتهمون ايران بالترويج للتشيع بين أهل السنة ، ويطالبون بهدم المرقد المزعوم لأبي لؤلؤة ، وهذا يؤكد أننا لم نطبق المهام الدينية والسياسية الملقاة على عاتقنا بصورة صحيحة . فلو كنا طوال هذه السنوات قد أوضحنا الأبحاث العقائدية الأصيلة في باب التوحيد ، والولاية التكوينية والتشريعية ، وصيانة القرآن من التحريف ودور العقل ، واحترام الكرامة الانسانية وعشرات المواضيع الأساسية الأخرى باللغة العربية ، ونشرناها في المجتمع الاسلامي ، ولو كنا قد طبقنا سياسة الاقتدار والعزة الى جانب الحكمة ومصلحة المجتمع الاسلامي ورعاية المصالح الشيعية ، لما استطاعت الأيادي الشيطانية المأجورة بثّ سموم الفرقة بين المسلمين ، معتبرة ملايين المسلمين من الشيعة كفاراً بل مجوساً مهدوري الدم ، ومبيحة هدم المراقد المقدسة للأئمة المعصومين من ذرية رسول الله (ص) .
فحريّ بنا اليوم في عام الوحدة والانسجام الاسلامي وتمشباً مع قيادتنا الحكيمة المتمثلة بسماحة آية الله الخامنئي إعادة النظر في أدائنا السابق ، وعلى ساسة البلاد في مجال السياسة الخارجية والعلماء الأعلام في مجال التنظير الديني التفكير بحلول جذرية ؛ لإنقاذ المجتمع الاسلامي من مأساة التحجر وبؤس التقوقع ونبذ العقل والمنطق التي ينتهجها نفر معدود ، وباتت تهدد الاسلام والمجتمع البشري برمته : (إنّ هذه أمّتكم أمّة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) (الأنبياء: 92) .