اوباما والانزلاقات الاولى

لقد كانت منطقة الشرق الأوسط والسياسات الأمريكية المتبعة فيها من ابرز دواعي التغيير في جو الانتخابات الامريكية التي جاءت بأوباما الى سدة الحكم في البيت الابيض، صحيح ان اوباما في حملته الانتخابية حمٌل اخطاء السياسية الخارجية لسلفه مسؤولية الضررالذي لحق بمكانة وصورة امريكا في العالم، وصحيح أيضا انه ركز على شعار التغيير، ومع الاقرار ان مدلول هذا الشعار انصرف بدرجة قوية الى طمانة الناخب الامريكي الذي وجد نفسه يرحز تحت أعباء وضغوطات الازمة الاقتصادية، فإن السياسة الخارجية هي التي تصنع نفوذ الولايات المتحدة الامريكية وتضمن مصالحها في العالم، ومن الطبيعي ان تكون من مشمولات هذا الشعار؛ حتى وإن لم يكن احد يتوقع تحويرا راديكاليا في مبادىء وتوجهات هذه السياسة، لكن في الان نفسه لا احد يتصور غياب التعديلات عن هذه السياسة وإن أملتها وحتمتها المصالح اكثر مما تفرضها وتستدعيها المبادىء والاخلاقيات، خاصة وان المرحلة البوشية اهدرت كل رصيدها في العقلانية لدرجة اعتبرت معها الادارة الامريكية السابقة أسوء ادراة عرفها الامريكيون في تاريخ تجربتهم السياسية.
وجاء العدوان على غزة في المرحلة الانتقالية، ولم يصدر اي تصريح عن اوباما امام فضاعة المذبحة التي كانت تنفذها (إسرائيل) بحق المدنيين بقطاع غزة، واما بعد مراسيم القسم فان تصريحه كرئيس يخاطب العالم على ارضية تركة مخزية خلفها له الرئيس بوش، فقد جاء مفتقرا للياقة وغابت فيه ادنى مساحة عما هو مالوف في كل ادارة امريكية، لجهة الانحياز المطلق لـ(إسرائيل)،والتغطية لجرائمها بحق شعوب المنطقة، والالتزام التام بامنها ولوعلى حساب امن واستقرار المنطقة، لقد ساوى اوباما في تصريحه بين ما سماه الضحايا المدنيين في الجانبين، علما ان (إسرائيل) نفذت مجزرة بحق الاهالي واستعملت الاسلحة المحظورة دوليا وقتلت بدم بارد الاطفال والنساء، وتعرضت بالقصف لمدارس الارونوا التابعة للامم المتحدة، بل وزاد بان طالب حركة "حماس" بالاعتراف بالكيان الصهيوني، من دون ان يشير للموقف الاسرائيلي الذي عطل كل جهود التسوية والتي كانت امريكا هي الراعية الاولى لها.
فالذي يظهر جليا ان رهان التغيير سيتركز على الملفات الداخلية، وسيحاول اوباما ومن مدخل الاصلاح المالي والاقتصادي ان يكون في مستوى توقعات وانتظارات الناخب الامريكي؛ المعني اساسا بالوضع الداخلي، ويحفظ هو من جهته وعوده الانتخابية كرصيد احتياطي لجولة انتخابية قادمة.
اما السياسة الخارجية وخاصة تجاه الشرق الاوسط فستحمل بصمات هيلاري كلينتون شديدة الصلة باللوبي الصهيوني، وستواصل خط سيرها وفق أجندة فريق الامن القومي الذي يضم الكثير من المتطرفين، نعم سيعمل فريق اوباما على انتهاج سياسة اكثر براغماتية في موضوع مكافحة الارهاب، من باب استخلاص الدروس من الاسلوب البوشي الكارثي، ولترميم الصورة المهترئة؛ لكن دون المساس برؤية امريكا للارهاب او الاقتراب من حقها الاحتكاري في تأويله، وهي الرؤية التي عبر عنها أوباما في أولى تصريحاته على هامش العدوان الصهيوني على غزة، فمن منظورأوباما فإن ارهاب الدولة في اقصى وحشيته كما مارسته ولازالت تمارسه (إسرئيل) لا يعدو أن يكون الا حقا مضمونا بل ومقدسا في الدفاع عن النفس. اما صور المجازر التي ادخلت الغرب في امتحان اخلاقي عسير فان مسؤوليتها تقع على الطرف الذي يرفض التسوية في المنطقة، والطرف الذي يمارس(الارهاب) باطلاق الصواريخ؛ اي بلغتنا الطرف الفلسطيني الذي يتمسك بحقه في المقاومة.
لقد وفرت المجزرة الصهيونية بحق فلسطينيي القطاع الفرصة لاوباما ليستهل عهده بقدر من النزاهة والموضوعية، وذلك بتحميل (إسرائيل) ولوفي الحد الادنى مسؤولية تدهور الاوضاع في المنطقة، كان عليه ان يعطي الانطباع ولو من باب العبأ الاخلاقي الذي جرته الممارسات الصهيونية على الغرب السياسي والثقافي، بان ثمة توجه ولومحتشم لاندراج السياسة الامريكية في عهده تحت منظمومة القيم الانسانية، وتحت سلطة وسقف القانون الدولي.
للاسف لم يفعل اوباما ذلك؛ لكنه سرعان ما سيدرك أن مواقفه هذه وبحساب الربح والخسارة قد أضرت كثيرا بالمصالح القومية لأمريكا. اما نحن من جهتنا، فندرك تماما ان موازين القوى على الارض هي التي ستـُلجأ أمريكا على مراجعة سياساتها الجائرة اتجاه قضايانا المصيرية.